صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

4192

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

على من أتبعها نفسه واشتغل بها وأكثر العناية بها فتكون إليه أسرع من السّيل إلى منحدره ، وتفتّحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه ويعطاه فيفتح له الشّيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللّفظ والمعنى ما يفسد عليه دينه وينكّد عليه عيشه فإذا سمع كلمة سفرجل ، أو أهدي إليه تطيّر به ، وقال : سفر وجلاء ، وإذا رأى ياسمينا أو أهدي إليه أو سمع اسمه تطيّر به وقال : يأس ومين ، وإذا خرج من داره فاستقبله أعور أو أشلّ أو أعمى أو صاحب آفة تطيّر به وتشاءم بيومه ، وعلى هذا فإنّ المتطيّر متعب القلب ، منكّد الصّدر ، كاسف البال سيّء الخلق يتخوّف من كلّ ما يراه ويسمعه فيصير أشدّ النّاس وجلا وأنكدهم عيشا ، وأضيقهم صدرا ، وأحزنهم قلبا ، وكم قد حرم نفسه بذلك من حظّ ومنعها من رزق وقطع عليها من فائدة . وأمّا من لم يلتفت إليها ولم يلق إليها باله ، ولم يشغل نفسه بها ولا فكره ، فإنّ ذلك يذهب عنه ويضمحلّ . وقد شفى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أمّته في الطّيرة حيث سئل عنها فقال : « ذلك شيء يجده أحدكم فلا يصدّنّه » « 1 » . حكم التطير : عدّ ابن حجر ترك السّفر بسبب التّطيّر من الكبائر . وعن ابن مسعود - رضي اللّه عنه - أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « الطّيرة شرك الطّيرة شرك ، وما منّا إلّا ، ولكنّ اللّه يذهبه بالتّوكّل » . رواه التّرمذيّ وابن ماجة في صحيحه من غير تكرار وقال التّرمذيّ : حديث حسن صحيح . وقال الحافظ أبو القاسم الأصفهانيّ وغيره : في الحديث إضمار والتّقدير : ما منّا إلّا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك يعني قلوب أمّته ، ولكنّ اللّه تعالى يذهب ذلك عن قلب كلّ من يتوكّل على اللّه ولا يثبت على ذلك . انتهى . واعترضه الحافظ المنذريّ بأنّ الصّواب ما ذكره البخاريّ وغيره أنّ قوله وما منّا . . . إلخ من كلام ابن مسعود مدرج غير مرفوع « 2 » ونقل البخاريّ عن سليمان بن حرب أنّه كان ينكر رفع ذلك ويقول : كأنّه من قول ابن مسعود وروى أبو داود والنّسائيّ وابن حبّان في صحيحه « العيافة أي الحظّ والطّيرة والطّرق أي الزّجر ، من الخبث » « 3 » ، وروى الطّبرانيّ بسند صحيح والبيهقيّ « لن ينال الدّرجات العلا من تكهّن ، أو استقسم ، أو رجع من سفر تطيّرا » ، وقال : هذا هو ظاهر الحديث الأوّل والثّاني ، وينبغي حمله على ما إذا كان معتقدا حدوث تأثير للتّطيّر « 4 » . التطير وكفارته : قال الماورديّ : اعلم أنّه ليس شيء أضرّ بالرّأي ، ولا أفسد للتّدبير من اعتقاد الطّيرة ، ومن ظنّ

--> ( 1 ) انتهى بتصرف من مفتاح دار السعادة ( 2 / 230 - 234 ) وقوله « فلا يصدنّه » أي يصرفنّه عن حاجته . ( 2 ) أي ليس من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإنما من كلام ابن مسعود . ( 3 ) هكذا في الزواجر والذي أورده أبو داود وغيره « الجبت » ( وهو كل ما عبد من دون اللّه ) . انظر الحديث رقم ( 6 ) . ( 4 ) انظر الزواجر لابن حجر ( 197 )